صدى الولاية | لم تعد التطورات العسكرية المتسارعة في اليمن مجرد جولة جديدة في حرب طويلة، بل باتت ترسم خلال أيلول/سبتمبر 2026 خريطة ميدانية واستراتيجية مختلفة، بعدما حققت حركة «أنصار الله اليمنية » تقدماً واسعاً على الساحل الغربي، وسيطرت على المخا ومناطق ساحلية وجزر استراتيجية وصولاً إلى باب المندب، قبل أن تنقل ثقل عملياتها باتجاه المرتفعات التي تحمي هذه المكاسب من الشرق والجنوب.
وفي مقابل هذا التقدم، عادت السعودية إلى تكثيف اعتداءاتها عبر غارات جوية داخل اليمن، فيما ردت قوات انصار الله بتوسيع دائرة عملياتها الصاروخية والجوية داخل الأراضي السعودية، لتنتقل المواجهة من الجبهات اليمنية إلى منشآت عسكرية ونفطية ومدن سعودية، بينما دخل العامل الأميركي مجدداً من باب الاتصالات المباشرة مع أنصار الله والبحث عن منع اتساع المواجهة البحرية.
الساحل الغربي... الخريطة التي تغيّرت
التحول الأهم بدأ مع انهيار مواقع للقوات المدعومة من السعودية على امتداد الساحل الغربي. ففي 10 أيلول، أكدت تقارير متعددة، سيطرة قوات أنصار الله على حيس والخوخة وعدد من مديريات تعز، وفي مقدمها مدينة المخا الاستراتيجية، قبل أن يتوسع انتشار قوات انصار الله إلى ذوباب وجزيرة ميون في قلب مضيق باب المندب. وفي 11 أيلول، تحدثت وكالة فرانس برس والجزيرة عن استكمال سيطرة الحركة على منطقة باب المندب وأجزاء واسعة من الساحل الغربي.
وهذا التطور لا تقتصر أهميته على مساحة الأرض التي انتقلت من طرف إلى آخر. فالمخا وباب المندب يمثلان إحدى أهم نقاط التحكم بالملاحة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس، كما أن سيطرة قوة واحدة على الساحل والجزر المحيطة بالمضيق تمنحها قدرة أكبر على التأثير في الأمن البحري ومسارات الطاقة.
وتؤكد رويترز استمرار النفوذ الإماراتي من خلال فصائل جنوبية وساحلية، في حين دعمت السعودية حكومة مجلس القيادة الرئاسي وتشكيلات عسكرية عدة. كما أكدت رويترز أن واشنطن قدمت للسعودية مساعدة استخبارية في المواجهة الحالية مع أنصار الله.
أما في ما يتعلق بالدور الإسرائيلي، فقد نشرت صحيفة «الأخبار» في 16 أيلول تقريراً تحدث عن مساعدة استخبارية إسرائيلية للسعودية تمر عبر الولايات المتحدة لمواجهة أنصار الله.
من الساحل إلى الجبال: تثبيت المكاسب
بعد السيطرة على المخا وباب المندب، تحولت المعركة إلى مرتفعات كهبوب والمناطق الواقعة بين تعز ولحج. ووفق رويترز، دفعت قوات أنصار الله باتجاه المرتفعات الاستراتيجية بهدف قطع الطريق بين الساحل الغربي والمناطق التي ما زالت تحت سيطرة قوات المرتزقة المدعومة من السعودية، ولا سيما في اتجاه عدن. وقالت الوكالة إن القوات السعودية المعادية شنت مئات الغارات في محاولة لإبطاء هذا التقدم.
كما تحدثت الأخبار عن تقدم لقوات صنعاء في أجزاء واسعة من الشمايتين وجبل حبشي والمواسط ومناطق باتجاه كهبوب ورأس العارة، معتبرة أن المعركة باتت مرتبطة بتثبيت السيطرة على الساحل وفتح مسارات جديدة في جنوب تعز وغرب لحج.
لكن المشهد حتى 23 أيلول لا يزال متحركاً ولم يُحسم كلياً. فالقوات الحكومية أعلنت أنها أحبطت هجوماً في جبهة كهبوب، كما أعلنت السيطرة على جبل قرفان في الشمايتين. وتؤكد هذه التطورات أن أنصار الله حققوا تغييراً كبيراً في الخريطة الساحلية، لكن المعركة على الحزام الجبلي المحيط بهذه المكاسب ما زالت مفتوحة.
الغارات السعودية... عودة الحرب الجوية
بموازاة هذه التطورات، صعّدت السعودية عملياتها الجوية داخل اليمن.
المتحدث العسكري باسم انصار الله، العميد يحيى سريع، قال إن الطيران السعودي نفذ مئات الغارات خلال أيام، فيما نقلت رويترز عنه قوله إن عدد الغارات بلغ نحو 450 غارة في أسبوع واحد. وأقر مسؤولون في القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية بأن طيرانهم والقوات السعودية ينفذ ضربات جوية عدانية على الاراضي اليمنية.
وفي 22 أيلول، أفادت قناة المنار، نقلاً عن مصادر محلية، باستشهاد ستة مدنيين بينهم طفلان وامرأة وإصابة ثمانية آخرين، بينهم طفل وامرأة، في غارات سعودية استهدفت مدينة المخا، إضافة إلى استشهاد مواطن في منطقة العذير بمديرية حيفان. ونقلت القناة عن يحيى سريع قوله إن 157 غارة وهجوماً صاروخياً استهدفت خلال ذلك اليوم محافظات الجوف وتعز وصعدة ومأرب.
وكانت وزارة الصحة اليمنية قد أعلنت في وقت سابق ارتفاع حصيلة ضحايا الغارات على الإصلاحية المركزية في الجوف إلى 17 قتيلاً وسبعة جرحى، ووصفت الحصيلة بأنها غير نهائية.
وتُظهر أرقام الأمم المتحدة أن كلفة التصعيد تتجاوز طرفاً واحداً؛ فبحسب منظمة الصحة العالمية، قُتل 674 شخصاً وأصيب 2998 منذ 6 آب وحتى 18 أيلول في موجة القتال الأخيرة، فيما تجاوز عدد النازحين داخلياً 129 ألفاً.
الرد اليمني ينتقل إلى العمق السعودي
رد اليمن لم يبقَ محصوراً في خطوط التماس.
فقد أعلنت القوات المسلحة التابعة لـ«أنصار الله» تنفيذ عمليات بصواريخ باليستية ومجنحة وطائرات مسيرة ضد أهداف في السعودية التي لها صلة بالهجوم على اليمن ، بينها قاعدة الملك خالد الجوية في خميس مشيط، ومنشآت مرتبطة بأرامكو في ينبع، ومواقع في جنوب المملكة، وصولاً إلى إعلان استهداف مواقع في العاصمة الرياض. وأكدت رويترز وقوع إنذارات وهجمات على عدد من المدن والمنشآت السعودية، فيما بقي حجم الأضرار في بعض المواقع محل روايات متباينة بين الطرفين.
وفي المقابل، تقول السلطات السعودية إن هجمات «أنصار الله» تسببت أيضاً في إصابات بين المدنيين داخل المملكة، وكانت قد أعلنت إصابة عشرات الأشخاص خلال موجات الهجمات في أيلول، كما أعلنت لاحقاً مقتل يمني وإصابة شخصين نتيجة سقوط حطام مسيّرة جرى اعتراضها فوق الطائف.
وبذلك انتقلت المعادلة عملياً من غارات جوية سعودية داخل اليمن يقابلها قتال بري، إلى تبادل ضربات يتجاوز الحدود، ويضع المطارات والمنشآت النفطية والبنية التحتية السعودية داخل دائرة المواجهة.
ومن أبرز التطورات العسكرية إعلان «أنصار الله» إسقاط مقاتلة سعودية من طراز F-15 فوق محافظة مأرب بصاروخ أرض–جو محلي الصنع.
رويترز نقلت الإعلان عن المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية العميد يحيى سريع، وفي وقت لاحق نشر الاعلام الحربي مشاهد لحطام تعود إلى الطائرة السعودية F15 خبر اسقاط الطائرة السعودية اكدته صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مصادر مطلعة أن طائرة مقاتلة سعودية أُسقطت بالفعل وهذا دليل انتقال الدفاعات الجوية اليمنية إلى مستوى جديد في التعامل مع الطيران الحربي السعودي، خصوصاً أن القوات المسلحة اليمنية تتحدث أيضاً عن اعتراض تشكيلات من مقاتلات F-15 وتايفون وإجبارها على مغادرة مناطق العمليات.
السيد القائد عبد الملك الحوثي: وقف الغارات والحصار هو أساس أي تسوية
في الجانب السياسي، وضع قائد حركة «أنصار الله» السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي إطاراً واضحاً لموقف الحركة من التصعيد.
ففي خطاب متلفز بثته قناة المسيرة في ذكرى 21 أيلول، شدد على أن مطالب اليمن تتمثل بوقف ما وصفه بـ«العدوان» وإنهاء الحصار، معتبراً أن ذلك يمثل حقوقاً أساسية للشعب اليمني. ونقلت وكالة أسوشيتد برس أن السيد عبد الملك الحوثي ربط استمرار المواجهة باستمرار العمليات العسكرية والقيود المفروضة على اليمن.
وبهذا الخطاب، تحاول القيادة اليمنية وضع التطورات الميدانية ضمن معادلة سياسية: المكاسب العسكرية ليست هدفاً منفصلاً عن التفاوض، بل ورقة لفرض وقف الغارات ورفع القيود عن الموانئ والمطارات والاقتصاد اليمني.
ويوازي ذلك موقف عسكري عبّر عنه العميد يحيى سريع مراراً بمعادلة «التصعيد بالتصعيد»، إذ أعلن أن الهجمات على العمق السعودي ستستمر ما دامت العمليات الجوية مستمرة داخل اليمن. وفي أعقاب غارات المخا الأخيرة، نقلت المنار عنه تأكيده أن التصعيد السعودي «لن يمر دون رد».
لقاء مسقط... لماذا جلس الأميركيون مع أنصار الله؟
أما التطور السياسي الأكثر دلالة، فتمثل في الاجتماع غير المعلن الذي جمع مسؤولين أميركيين وممثلين عن «أنصار الله» في سلطنة عُمان.
رويترز، نقلاً عن خمسة مصادر مطلعة، قالت إن اللقاء عُقد في السفارة الأميركية في مسقط بترتيب ساعدت فيه الحكومة العُمانية، وإن الوفد اليمني ضم محمد عبد السلام وعبد الملك العجري، بينما مثّل واشنطن موظفون في السفارة.
وبحسب المصادر نفسها، أبلغ ممثلو «أنصار الله» الجانب الأميركي أنهم ملتزمون بوقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه مع واشنطن عام 2025، ولا ينوون استهداف السفن الأميركية. كما نقل مصدر لرويترز أن الوفد تحدث عن عدم استهداف السفن التجارية الأخرى، مع بقاء السفن السعودية خارج هذا الالتزام. ولم تؤكد وزارة الخارجية الأميركية انعقاد الاجتماع رسمياً، لكنها أقرت بأن حماية الملاحة في البحر الأحمر من أولوياتها.
تكمن أهمية اللقاء في توقيته: واشنطن جلست مع ممثلي الحركة بعد أيام قليلة من تقدمها الكبير على الساحل الغربي ووصولها إلى باب المندب.
وفي الوقت نفسه، تقول رويترز إن السعودية طلبت دعماً عسكرياً أميركياً أكثر مباشرة، لكن واشنطن أحجمت حتى الآن عن دخول الحرب بصورة واسعة واكتفت بمستويات من الدعم الاستخباري، فيما تحدثت تقارير عن تراجع الرئيس دونالد ترامب في اللحظات الأخيرة عن تنفيذ غارات أميركية جديدة على «أنصار الله».
ماذا تعني التطورات؟
المشهد الذي يتشكل في اليمن اليوم يقوم على ثلاث حقائق مترابطة.
الأولى أن خريطة السيطرة على الساحل الغربي تغيّرت بصورة كبيرة، بعدما انتقلت المخا والخوخة وحيس وذوباب ومواقع وجزر قرب باب المندب إلى سيطرة «أنصار الله»، وفق مصادر يمنية ودولية متعددة.
والثانية أن محاولة قلب هذه الخريطة بالقوة الجوية لم تحسم المعركة حتى الآن؛ إذ لا تزال الاشتباكات دائرة في مرتفعات كهبوب وتعز ولحج، ولا يزال الطرفان يعلنان مكاسب وخسائر بصورة متبادلة.
أما الثالثة فهي أن باب المندب لم يعد تفصيلاً يمنياً داخلياً. ففي ظل اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، أصبح الساحل اليمني ممراً شديد الحساسية لصادرات النفط والتجارة الدولية، وهو ما يفسر انتقال الملف سريعاً إلى الاتصالات الأميركية، وطلب السعودية دعماً من واشنطن ولندن وباريس، وارتفاع مستوى الاهتمام الدولي بالمواجهة.
من هنا، فإن المعركة لم تعد فقط على مدينة أو مديرية يمنية. إنها معركة على من يملك القدرة على تثبيت السيطرة على الساحل، ومن يملك مفاتيح الملاحة في باب المندب، وما إذا كانت القوة الجوية قادرة على تغيير الوقائع التي تشكلت على الأرض، أم أن تلك الوقائع ستتحول في النهاية إلى أوراق تفاوضية في أي تسوية مقبلة.
وما بين الغارات السعودية والردود اليمنية، وبين تقدم قوات انصار الله ومحاولات الهجوم المضاد، وبين واشنطن التي تتواصل مع «أنصار الله» من جهة وتدعم الرياض استخبارياً من جهة أخرى، يدخل اليمن مرحلة تتجاوز حدود الحرب الداخلية القديمة إلى صراع إقليمي على الممرات البحرية والطاقة والنفوذ.
والثابت حتى 23 أيلول/سبتمبر أن باب المندب والساحل الغربي أصبحا في قلب هذه المعادلة، وأن أي مسار مقبل – عسكرياً كان أو تفاوضياً – سيبدأ من الوقائع الجديدة التي فرضتها أسابيع أيلول على الأرض وربما سيقلب الطاولة لتختلط الاوراق من جديد.
إعداد وتحرير: ماجدة عباس الموسوي رئيس تحرير موقع صدى الولاية الإخباري